المقريزي
401
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
من الشام ، فلم يسع ابن المشطوب إلا امتثال ما قال المعظم لأنه معه بمفرده ، ولا قدرة له على الممانعة ، فساروا به إلى حماه ، ثم مضى منها إلى المشرق ، ولما شيّع الملك المعظم ابن المشطوب رجع إلى الملك الكامل ، وأمر أخاه الفائز إبراهيم أن يسير إلى ملوك الشام في رسالة عن أخيه الملك الكامل لاستدعائهم إلى قتال الفرنج ، فمضى إلى دمشق وخرج منها إلى حماه ، فمات بها مسموما على ما قيل ، فثبت للملك الكامل ، أمر الملك وسكن روعه ، هذا والفرنج قد أحاطوا بدمياط برّا وبحرا ، وأحدقوا وضيقوا على أهلها ، ومنعوا القوت من الوصول إليهم ، وحفروا على عسكرهم المحيط بدمياط خندقا ، وبنوا عليه سورا ، وأهل دمياط يقاتلونهم أشدّ القتال ، ويمانعونهم ، وقد غلت عندهم الأسعار لقلّة الأقوات ، ثم إنّ المعظم فارق الملك الكامل ، وسار إلى بلاد الشام . وأقام الكامل لمحاربة الفرنج ، وانتدب شمائل أحد الجاندارية « 1 » في الركاب للدخول إلى دمياط ، فكان يسبح في الماء ، ويصل إلى أهل دمياط ، فيعدهم بوصول النجدات ، فحظي بذلك عند الكامل ، وتقرّب منه ، حتى عمله والي القاهرة ، وإليه تنسب خزانة شمائل بالقاهرة ، فلم يزل الحال على ذلك إلى أن دخلت سنة ست عشرة ، فجهز الملك المنصور محمد بن عمرو بن شاهنشاه بن أيوب ، صاحب حماه ابنه المظفر تقيّ الدين محمودا إلى مصر نجدة لخاله الملك الكامل على الفرنج في جيش كثيف ، فوصل إلى العسكر ، وتلقاه الملك الكامل ، وأنزله في ميمنة العسكر منزلة أبيه وجدّه عند السلطان صلاح الدين يوسف ، فألح الفرنج في القتال ، وكان بدمياط نحو العشرين ألف مقاتل ، فنهكتهم الأمراض وغلت عندهم الأسعار حتى بلغت بيضة الدجاجة عندهم عدّة دنانير . قال الحافظ عبد العظيم المنذري « 2 » : سمعت الشيخ أبا الحسن عليّ بن فضل يقول : كان لبعض بني خيار ، بقرة فذبحوها ، وباعوها في الحصار ، فجاءت ثمانمائة دينار . وقال في المعجم المترجم : سمعت الأمير أبا بكر بن حسن بن خسويام يقول : كنت بدمياط في حصار العدوّ بها ، فبيع السكز بها بمائة وأربعين دينارا الرطل ، والدجاجة بثلاثين دينارا ، قال : واشتريت ثلاث دجاجات بتسعين دينارا ، والرواية بأربعين درهما ، والقبر يحفر بأربعين مثقالا ، وأخذت أختي جملا ، فشقت جوفه وملأته دجاجا وفاكهة وبقلا ، وغير ذلك ، وخاطته ورمته في البحر ، وكتبت إليّ تقول : قد فعلت كذا ، فإذا رأيتم جملا ميتا ، فخذوه فوقع لنا ليلا ، فأخذناه وكان فيه ما يساوي جملة ، ففرّقته على الناس ، ثم عمل بعد
--> ( 1 ) الجاندار : مصطلح فارسي معناه : حافظ الروح وهو الحرس أو العسس . وهي مركبة من كلمتين ( جان ) بمعنى الروح و ( دار ) بمعنى حافظ ( مصطلحات محمد رمزي ) . ( 2 ) من الحفاظ المؤرخين له كتاب ( الترغيب والترهيب ) وكتب أخرى ولد سنة 581 ه وتوفي سنة 656 ه . الأعلام ج 4 / 30 .